الشيخ محمد الصادقي الطهراني
150
تاريخ الفكر والحضارة
أنفسهم عن بؤس الفقر وذله ، ولذلك لا نرى نصا يمنعا عن تحصيل المال ، وانما الممنوع التفرغ إلى تحصيل الدنيا والاعراض عن الآخرة ! فكم بحريٍّ للمؤمن أن يضع قيودا فولاذية على شهواته الطائشة ، لا يترك غرائزه تلعب به فلا تملكه نفسه الإثارة بالسوء بل هو يملكها بعقله ، فلا ينطلق في الدنيا كأهلها حيوانا لا عقل له ولا ضمير . وانما دفع المؤمنين إلى الفهم المعوج عن تحصيل المال ، أنهم لم يجدوا من أغنيائهم الا كل شر ورذيلة ، فوقع في أوهام الجماهير البائسة ان الغنى والفسق قرينان متلازمان . ولكن على المؤمن ان يكون كادحا في المرحلتين ، كدحا في تحصيل المال وكدحا في التوسل به إلى تطبيق أحكام الله ، فإنما الحياة عقيدة جهاد . ومهما يحقر الاسلام المال فإنما يحقره في أيدي المترفين من الكفار « فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ » ( 55 : 9 ) ، « وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى » ( 131 : 20 ) . فهذه الآيات لا تعني الا امرين : ان المال في أيدي الكفار ليس خيرا ، انه لديهم ذريعة للمزيد من الفسق فالعذاب فلا تمدوا أعينكم إليه 2 - وأنتم لو فقدتم هذه الأموال فرزق ربكم خير وأبقى ، وأنتم مرزوقون بالرزق الرباني دنيا وعقبى : فهل يا ترى أن معنى ذلك كره بالغنى لابناء الاسلام وحضهم على القنوع البليد والمعيشة المقبوحة ؟ كلا ان الاسلام إذ يشرب أتباعه روح الاعتزاز بالعقيدة ولو انهزمت ماديا امام كنز غني مدلل لا يكره لا تباعه ان تمتلى خزائنهم خيرا وان تفعم نفوسهم أمانا وطمأنينة ، وانما يمنعهم عن الترف والسرف في المعيشة وترك الانفاق بالتخزين والتكنيز . وبالرغم من أن مصادر الرزق المبثوث في تراب الأرض وأمواج البحر وذخائر المناجم وغير ذلك لم يدركها جفاف ، بل إنه من الممكن ان تكفل اضعاف ما